غزة / معتز شاهين :
لا يزال الاحتلال يعرقل دخول لجنة التكنوقراط إلى قطاع غزة ومنعها من مباشرة عملها، في خطوة يراها محللون سياسيون امتدادًا لسياسة إسرائيلية متعمّدة بدأت منذ اليوم الأول بعد توقيع وقف إطلاق النار. تهدف هذه السياسة إلى تأخير تنفيذ المراحل المختلفة وترك كل الخيوط بيد الاحتلال. ورغم أن لجنة التكنوقراط حصلت على موافقة المجتمع الدولي وحظيت بدعم إقليمي وفصائلي، إلا أن الاحتلال يماطل بالسماح لها بمباشرة عملها في القطان، ذلك لان بدء اللجنة عملها سيتطلب من الاحتلالتنفيذ بقية التزامات المرحلة الثانية، بما في ذلك انسحاب قواته من بعض المناطق، لذلك يُربط عملها الإسرائيلي بإجراءات أخرى مثل ملف نزع السلاح والقضايا الأمنية. وكان من المفترض، وفق التفاهمات التي أُبرمت في تشرين الأول/أكتوبر الماضي، أن تبدأ لجنة التكنوقراط مهامها فور تثبيت وقف إطلاق النار، على أن تتصدر أولوياتها تنظيم دخول المساعدات الإنسانية، والإشراف على جهود إعادة الإعمار، وتسهيل سفر الجرحى والمرضى، إلى جانب إعادة الحد الأدنى من انتظام الحياة المدنية في قطاع غزة. غير أن هذه الالتزامات بقيت حبيسة التصريحات، ولم تجد طريقها إلى التنفيذ في ظل المماطلة الإسرائيلية المستمرة. وفي هذا السياق، قال المتحدث باسم حركة حماس، حازم قاسم، إن استمرار عجز المجتمع الدولي والوسطاء، وعلى رأسهم الولايات المتحدة، عن تمكين اللجنة من دخول قطاع غزة يقوّض الثقة في كل ما يُطرح بشأن استتباب الهدوء وتحقيق السلام، كما يضع علامات استفهام جدّية حول الجهود الرامية إلى تشكيل أطر إدارية لإدارة الأوضاع في القطاع. وأضاف قاسم أن حركته استكملت جميع الإجراءات المطلوبة لنقل الصلاحيات والحكم في مختلف المجالات إلى اللجنة الوطنية، مؤكدًا وجود جهة إشرافية على عملية التسليم تضم ممثلين عن الفصائل الفلسطينية ومؤسسات المجتمع المدني والعشائر، إضافة إلى جهات دولية، بما يضمن عملية تسليم كاملة وشفافة. بدوره، أكد المدير العام للمكتب الإعلامي الحكومي، إسماعيل الثوابتة، أن الدوائر الحكومية في غزة أنجزت جميع الترتيبات الإدارية والفنية والتنظيمية المتعلقة بنقل إداراتها للجنة التكنوقراط، قائلاً: "جاهزون بالكامل لنقل إدارة العمل الحكومي فور وصول اللجنة ومباشرتها المهام الرسمية". وأضاف الثوابتة في تصريحات صحفية، أن حكومته بانتظار استكمال الإجراءات الرسمية لدخول اللجنة وبدء عملها الميداني، مبينًا أن هناك ترتيبات حكومية شاملة، حيث تعمل عدة لجان فنية وإدارية متخصصة على إعداد وتجهيز كافة الملفات الحكومية بشكل منظم ودقيق لضمان عملية تسليم سلسة وشفافة ومسؤولة، بما يحقق استمرارية العمل الحكومي دون أي فراغ إداري أو خدمي ويحفظ مصالح المواطنين واستقرار المؤسسات العامة. "الردع الاستراتيجي" اعتبر الدكتور حسام فاروق، أستاذ الإعلام والاتصال السياسي، أن تعطيل الاحتلال دخول أعضاء لجنة التكنوقراط إلى قطاع غزة ومنعها من مباشرة عملها يأتي في إطار سياسة إسرائيلية ممنهجة تهدف إلى إبقاء القطاع تحت الضغط والتحكّم، واستخدام الاحتياجات الإنسانية كأداة للابتزاز السياسي والأمني. وقال فاروق في حديثه مع "الاستقلال" إن هذا التعطيل لا يمكن فصله عن مفهوم "الردع الاستراتيجي" الذي تعتمد عليه إسرائيل، مشيرًا إلى أن الهدف الأساسي منه هو إيصال رسالة للفلسطينيين مفادها أن تحسين حياتهم اليومية سيبقى مستحيلًا ما لم يكن مرتبطًا بإرادة الاحتلال وإدارته المباشرة. وأضاف أن هذه السياسة تمثل شكلًا من أشكال الضغط النفسي والمعنوي الجماعي، يُمارس على حساب الحقوق الأساسية للفلسطينيين، في ظل غياب موقف دولي حازم، ولا سيما من الولايات المتحدة التي تملك أدوات الضغط الأكثر تأثيرًا على "إسرائيل". وحذّر فاروق من أن خطورة هذا النهج تتفاقم مع كل ساعة تأخير في دخول اللجنة ومباشرتها عملها، لما لذلك من تداعيات مباشرة على تدفّق المساعدات الإنسانية وعلى مجمل الأوضاع الإنسانية داخل قطاع غزة، مؤكدًا أن تعطيل إدخال المساعدات وتسيير شؤون الحياة اليومية يجعل القطاع عمليًا معلّقًا بإرادة الاحتلال. وفي السياق نفسه، قال فاروق إن الولايات المتحدة تتحدث عن السلام باعتباره إنجازًا استراتيجيًا للرئيس الأميركي دونالد ترامب، وتقدّم خطته للسلام في غزة كأساس لما جرى تسويقه على أنه وقف لإطلاق النار، مع انتهاء المرحلة الأولى والانتقال إلى ما يُسمّى المرحلة الثانية من الخطة التي تحمل اسم الرئيس الأميركي. لكنه أشار إلى أن هذه الخطة تحمل بُعدًا دعائيًا سياسيًا واضحًا، في مقابل آلية تنفيذ بطيئة ومربكة تواجه عراقيل متعمدة من جانب الاحتلال، إلى جانب صعوبات حقيقية على الأرض. وأكد غياب أي ضغط أميركي حقيقي على "إسرائيل" لتنفيذ الاتفاق، مشيرًا إلى أن الخروقات الإسرائيلية اليومية جعلت وقف إطلاق النار هشًا منذ البداية، إذ بقي شكليًا لحفظ صورة اتفاق الرئيس ترامب. وأضاف أن الولايات المتحدة تركز على إبراز إنجاز الخطة دون الاهتمام بكيفية تنفيذها أو الانتهاكات المصاحبة، ما يفسّر غضّ الطرف عن التجاوزات الإسرائيلية المستمرة. خشية إسرائيلية ويتفق الكاتب والمحلل السياسي عصمت منصور مع الرأي السابق بأن تعطيل الاحتلال دخول لجنة التكنوقراط إلى قطاع غزة ومنعها من مباشرة عملها ليس مجرد تأخير إجرائي، بل سياسة إسرائيلية متعمدة بدأت منذ اليوم الأول بعد وقف إطلاق النار، وتهدف إلى ترك كل الخيوط بيد الاحتلال وتأجيل تنفيذ الالتزامات الأساسية. ويشير منصور خلال حديثه مع "الاستقلال" إلى أن لجنة التكنوقراط حصلت على موافقة دولية وأميركية ودعم إقليمي وفصائلي، بما في ذلك السلطة الفلسطينية وحركة حماس، ومع ذلك تخشى إسرائيل دخولها، خوفًا من أن يضغط ذلك لتنفيذ المرحلة الثانية من الاتفاق، بدءًا من انسحاب الاحتلال من مناطق معينة، مرورًا بإدخال المساعدات وبدء إعادة الإعمار، ووصولًا إلى خلق إطار دولي يحد من تحميل حماس المسؤولية الكاملة. ويضع منصور هذه الخطوة في سياق ما يُسمّى سياسة الردع الاستراتيجي الإسرائيلية، مؤكداً أن الأمر يتجاوز مجرد ردع فلسطيني، ليصبح أداة للابتزاز السياسي وإطالة أمد المعاناة وإبقاء حركة حماس في الواجهة كعنوان يُحمّل المسؤولية، بينما الاحتلال يتصرف بحرية نسبية دون أي مساءلة. ويضيف أن الولايات المتحدة تمارس ضغطًا انتقائيًا، إذ تدفع نحو تنفيذ خطوات محددة، لكنها في الوقت نفسه تقبل بالمطالب الإسرائيلية كمسلّمات، خصوصًا في ملفات السلاح وتأجيل الانسحاب وآلية فتح المعابر. ونتيجة لذلك، يبقى خطاب واشنطن عن السلام شكليًا، دون أي تأثير حقيقي على حياة الفلسطينيين اليومية في غزة. كما يؤكد أن وقف إطلاق النار هش منذ البداية، إذ لم تنتهِ الحرب فعليًا، واستمرت الخروقات من قصف واستهداف وقتل عشرات الشهداء، مع استمرار الحصار وقيود معبر رفح، مما يجعل الهدنة هشة وتحت سيطرة الاحتلال الكامل. وأشار المحلل السياسي إلى أن تعطيل عمل لجنة التكنوقراط يمثل نموذجًا واضحًا على كيفية تحويل المعاناة الإنسانية إلى أداة للضغط السياسي، ويدل على هشاشة أي اتفاقات دون إرادة دولية فعلية لمحاسبة الاحتلال


التعليقات : 0